محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي

14

اسئلة القرآن المجيد وأجوبتها من غرائب آي التنزيل

الناس والحجارة معروفة ، فنكّرها . ثم ، نزلت هذه الآية بالمدينة ، فعرّفت ؛ إشارة بها إلى ما عرفوه أوّلا . [ 13 ] فإن قيل : قوله تعالى : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ [ البقرة : 42 ] ، ليسا فعلين متغايرين ، فينهوا عن الجمع بينهما ؛ بل أحدهما داخل في الآخر ؟ قلنا : هما فعلان متغايران ، لأنّ المراد بتلبيسهم الحقّ بالباطل كتابتهم في التّوراة ما ليس منها ، وبكتمانهم الحقّ قولهم : لا نجد في التّوراة صفة محمّد صلى اللّه عليه وسلم . [ 14 ] فإن قيل : قوله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ [ البقرة : 46 ] ، ما فائدة الثاني والأوّل يدلّ عليه ويقتضيه ؟ قلنا : قوله : مُلاقُوا رَبِّهِمْ ، أي : ملاقوا ثواب ربّهم ، وما وعدهم على الصبر والصلاة ؛ وقوله : وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ، أي موقنون بالبعث ؛ فصار المعنى : أنهم موقنون بالبعث وبحصول الثّواب الموعود ؛ فلا تكرار فيه . [ 15 ] « 1 » فإن قيل : كيف قال : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [ البقرة : 59 ] ؛ وهم لم يبدّلوا غير الذي قيل لهم ؛ لأنّهم قيل لهم ؛ قولوا حطّة ، فقالوا حنطة ؟ قلنا : معناه فبدّل الّذين ظلموا قولا ، قيل لهم . وقالوا قولا ، غير الّذي قيل لهم . [ 16 ] « 2 » فإن قيل : قوله : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [ البقرة : 60 ] العثو : الفساد ؛ فيصير المعنى : ولا تفسدوا في الأرض مفسدين ؟ قلنا : معناه ولا تعثوا في الأرض بالكفر ، وأنتم مفسدون بسائر المعاصي . [ 17 ] « 3 » فإن قيل : كيف قال : لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [ البقرة : 61 ] وطعامهم كان المنّ والسلوى وهما طعامان ؟

--> ( 1 ) ( [ 15 ] ) حطّة : قال الرّاغب في مفرداته : هي كلمة أمر بها بنو إسرائيل ، ومعناه : حطّ عنّا ذنوبنا . وقيل : معناه : قولوا صوابا . ( 2 ) ( [ 16 ] ) العثو : ويقال العيث والعثي أيضا ، من عثا عثوّا ، وعثي عثوا ، إذا أفسد أشدّ الإفساد . وهو قول ابن سيده . وميّز الرّاغب في مفرداته بين العيث والعثي بأنّ الأوّل ( العيث ) أكثر ما يقال للفساد الذي يدرك حسّا ، والعثي فيما يدرك حكما ، أي أنّ الأوّل يقال للفساد الحسّي ، والثّاني يقال للفساد المعنوي . غير أنّه لم يذكر مستنده في ذلك . ( 3 ) ( [ 17 ] ) المنّ : قال في القاموس هو كلّ طلّ ينزل من السماء على شجر أو حجر ، ويحلو وينعقد عسلا ، ويجفّ جفاف الصمغ . وذكر الرّاغب في مفرداته نحو هذا المعنى باختصار . ثم ، حكى القول بأن المن والسلوى شيء واحد ، وكلاهما إشارة إلى ما أنعم اللّه به على بني إسرائيل ، لكن سمّاه منّا بحيث أنّه امتنّ به عليهم ، وسمّاه سلوى من حيث إنّه كان لهم به التّسلي . أقول : وبهذا المعنى يبطل السؤال من رأس . ويلغو الجواب الذي حاوله الرّازي هنا .